ابن بسام
351
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
فأما سائر أدوات الفضل وآلات الخير وخصال المجد فقد قسم اللّه تعالى له منها ما يباري الشمس ظهورا ، ويجاري القطر وفورا . وأما فنون الأدب فهو ابن بجدتها ، وأخو جملتها ، وأبو عذرتها ، ومالك أزمّتها ، وللّه هو إذا غرس الدرّ في أرض القراطيس [ 1 ] ، ودرز [ 2 ] بالظلام رداء النهار ، وألقت بحار خواطره جواهر البلاغة على أنامله ، فهناك الحسن برمّته ، والإحسان بكلّيته ، فلو كنت بالنجوم مصدقا لقلت : إنّ عطاردا تأنّق في تدبيره ، وقصر عليه معظم همته ، ووقف في طاعته ، عند أقصى طاقته . ومن أراد أن يسمع سرّ النظم ، وسحر الشعر [ 3 ] ، ورقية الدهر ، ويرى صوب العقل ، وذوب الظّرف ، ونتيجة الفضل ، فليستنشد ما أسفر عنه طبع مجده ، وثمّره [ 4 ] عالي الفكر ، من ملح تمتزج بأجزاء النفوس لنفاستها ، وتشرب بالقلوب لسلاستها : قواف إذا ما رآها المشوق * هزّ لها الغانيات القدودا كسون عبيدا ثياب العبيد * وأضحى لبيد لديها بليدا وفي فصل [ 5 ] : وأيم اللّه ما من يوم أسعفني فيه الزمان بمواجهة وجهه ، وأسعدني بالاقتباس من نوره ، والاغتراف من بحره ، فشاهدت ثمار المجد والسؤدد تنتثر من شمائله ، ورأيت فضائل أفراد الدهر عيالا على فضائله ، وقرأت نسخة الفضل والكرم [ 6 ] من / ألحاظه ، وانتهبت فرائد الفوائد من ألفاظه ، إلا تذكرت ما أنشدنيه لابن الرومي [ 7 ] : لولا عجائب صنع اللّه ما نبتت * تلك الفضائل في لحم ولا عصب وأنشدت فيما بيني وبين نفسي قول الطائي [ 8 ] : فلو صوّرت نفسك لم تزدها * على ما فيك من كرم الطباع
--> [ 1 ] فقه اللغة : القرطاس . [ 2 ] فقه اللغة : وطرز . [ 3 ] فقه اللغة : النثر . [ 4 ] فقه اللغة : وأثمره . [ 5 ] فقه اللغة : 4 وليس بين هذه الفقرة وما تقدّم حذف . [ 6 ] فقه اللغة : الكرم والفضل . [ 7 ] ديوان ابن الرومي : 196 . [ 8 ] ديوان أبي تمام : 340 ، وسرح العيون : 324 ، 330 .